سيد محمد طنطاوي

201

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وخوله من التخويل بمعنى الإعطاء مرة بعد أخرى ، ومنه الحديث الشريف : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا أي : يتعهدنا بها وقتا بعد وقت . و * ( ما ) * في قوله * ( نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْه مِنْ قَبْلُ ) * موصولة مرادا بها الضر ، أو مرادا بها الباري - عز وجل - . أي : هذا هو حال ذلك الإنسان عند نزول الضّرّ به ، فإذا ما كشفنا عنه ضره ، وأعطيناه نعما عظيمة على سبيل التفضل منا . . نسي الضر الذي كان يتضرع إلينا من قبل لنزيله عنه ، أو نسي الخالق - عز وجل - الذي كشف عنه بقدرته ذلك الضر . ولم يكتف بهذا النسيان ، بل جعل للَّه - تعالى - أندادا أي : أمثالا وأشباها ونظائر يعبدها من دونه . واللام في قوله - تعالى - : * ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِه ) * للتعليل . أي فعل ما فعل من جعله شركاء للَّه - تعالى - في العبادة ، ليضل الناس بذلك الفعل عن سبيل اللَّه وعن دينه الذي ارتضاه لعباده . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( لِيُضِلَّ ) * بفتح الياء . أي : ليزداد ضلالا على ضلاله . وقوله - تعالى - : * ( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ) * ، بيان لسوء عاقبة هذا الإنسان المشرك . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهذا الإنسان الذي جعل للَّه شركاء في العبادة . . . قل له تمتع بكفرك تمتعا قليلا ، أو زمانا قليلا إنك من أصحاب النار الملازمين لها ، والخالدين فيها . ثم نفى - سبحانه - المساواة بين هذا الإنسان المشرك وبين الإنسان الملازم لطاعة ربه فقال : * ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وقائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّه . . ) * . وكلمة « أمّن » أصلها « أم » التي بمعنى بل وهمزة الاستفهام . و « من » التي هي اسم موصول وهي هنا مبتدأ وخبره محذوف . والقانت : من القنوت بمعنى ملازمة الطاعة والمواظبة عليها بخشوع وإخلاص . وآناء الليل : ساعاته : والاستفهام للإنكار والنفي . أي : بل أمن هو قائم ساعات الليل لعبادة اللَّه - ساجدا وقائما يحذر عذاب الآخرة ، ويرجو رحمة ربه ، كمن هو جاعل للَّه - تعالى - شركاء في العبادة ؟ مما لا شك أنهما لا يستويان في عرف أي عاقل ، وفي نظر أي ناظر .